السيد محمد حسين فضل الله
22
من وحي القرآن
بين إمكان تحقيق ذلك وعدم إمكانه . وهكذا يستعجلون السيئة وهي العقاب الذي يترتب على كفرهم وعنادهم ، قبل الحسنة التي هي ثواب اللَّه الذي ينبغي للإنسان أن يتطلع إليه من خلال رحمة اللَّه ، والسير على خط الإيمان والطاعة ، وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ ، وهي العقوبات التي تترك أثرها على الجسد ، التي كان ينزلها على الكافرين من قبلهم ، فلا يتّعظون ولا يخافون ولا يأخذون العبرة من هذا الماضي لحساب الحاضر ، وهي حال الناس الذين لا يدرسون الأمور بالعمق الذي يربطهم بحقيقة الحياة الحاسمة ، بل من موقع اللحظة الحاضرة التي تتحرك فيها الشهوة والمصلحة والعوامل الذاتية ، مما يجعلهم يختارون لأنفسهم المصير الذي لا ينسجم مع مصلحتهم الحقيقية ، ولا يلتفتون إلى أن اللَّه يملك العقاب كله ، والثواب كله ، ويرجع إليه أمر المصير الذي يلتقي فيه كل الناس ، الأمر الذي يفرض عليهم أن يرجعوا إليه ويرتبطوا بخط طاعته ، إذا أرادوا لأنفسهم الخير والنجاح . وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ لأنفسهم بالمعصية فيعفو عنهم ، إذا عرف منهم صدق النية في التوبة ، والإخلاص في الموقف ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ للمتمردين والعاصين والمعاندين الذين يصرّون على الكفر والمعصية . وربما كان المراد من المغفرة هنا ، إمهال اللَّه لعباده العصاة ، أو الكفرة ، وعدم تعجيل العقوبة لهم ، باعتبار أن الآية تتعرض لحالة واحدة تتعلق بالكافرين ، ولا تتحدث عن صفات اللَّه في المطلق ، وهذا احتمال قريب ، لولا أن الأسلوب القرآني قد درج في أكثر موارده على هذا النوع من الحديث عن اللَّه بشكل عام ، في نطاق الأمور الجزئية دون الارتباط بالحالة الخاصة . وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ في أسلوب خبيث هدفه إظهار النبي عاجزا أمام الناس لمعرفتهم المسبقة بعدم استجابته لمثل هذه الطروحات ، أو لاعتقادهم بعجزه عن ذلك أو لتخيلهم عدم صدقه في دعواه النبوّة ، كونها متلازمة - في زعمهم - مع المعجزة الكونية الظاهرة ، وهذا هو